تتصاعد المخاوف بشأن الأوضاع المالية في فرنسا، ما يطرح تساؤلًا: فرنسا معرضة للإفلاس؟.. ارتفاع المخاطر الائتمانية يثير قلق الأسواق العالمية.
وتأتي هذه المخاوف مع ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية، وسط ضغوط سياسية ومالية متزايدة، ومتابعة المستثمرين لموازنة 2027.
وبحسب تقرير نشره موقع «إنفستنج» (Investing.com)، سجلت عقود التأمين ضد التخلف عن السداد نحو 80 نقطة أساس.
واقتربت القراءة من ذروة الأسبوع الماضي عند 84 نقطة، وهي أعلى مستوياتها منذ عام 2013، وفق البيانات الواردة بالتقرير.
ولا تعني هذه المستويات أن فرنسا تواجه إفلاسًا وشيكًا، لكنها تعكس ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون.
فرنسا معرضة للإفلاس؟.. ماذا تعني المخاطر الائتمانية؟
تعكس عقود مبادلة مخاطر الائتمان، المعروفة باسم «CDS»، مستوى القلق بشأن قدرة المقترض على الوفاء بالتزاماته المالية.
وترتفع تكلفة هذه العقود عندما يرى المستثمرون زيادة في احتمالات التعثر، أو ارتفاع المخاطر السياسية والمالية المرتبطة بالدين.
وبحسب تقرير «إنفستنج»، ارتفعت تكلفة التأمين على الديون الفرنسية من 57 نقطة أساس في 26 سبتمبر إلى 80 نقطة.
وتعني هذه الزيادة أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذرًا تجاه الديون الفرنسية، خاصة مع استمرار الضغوط على المالية العامة.
ومع ذلك، تبقى المستويات الحالية أقل من ذروة أزمة الديون الأوروبية عام 2012، عندما تجاوزت العقود 110 نقاط أساس.
وتختلف بيانات عقود التأمين بين مزودي البيانات، وفقًا للعقد المستخدم وتوقيت التسعير، لذلك يجب قراءة الأرقام كمؤشر للمخاطر.
الدين والعجز يضغطان على المالية الفرنسية
تواجه فرنسا تحديات مالية متزايدة، بسبب ارتفاع عجز الموازنة والدين العام، بالتزامن مع زيادة تكلفة خدمة الديون.
وأشار التقرير إلى وصول عجز الموازنة الفرنسية إلى نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة الحالية.
كما يبلغ الدين العام نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع النسبة إلى قرابة 122% خلال العام المقبل.
وفي الوقت نفسه، ترتفع تكلفة خدمة الدين من 62.6 مليار يورو خلال 2026 إلى 72.9 مليار يورو خلال 2027.
وتخطط الحكومة لإصدار سندات بقيمة تقارب 340 مليار يورو، لتغطية احتياجات التمويل الكبيرة خلال الفترة المقبلة.
وتواجه الحكومة أيضًا صعوبة في تمرير موازنة 2027، التي تتضمن خفض الإنفاق بنحو 54 مليار يورو.
وتزيد طبيعة الحكومة الأقلية من صعوبة الحصول على الدعم البرلماني اللازم لتمرير إجراءات خفض الإنفاق.
كما خفضت وكالة «سكوب» تصنيف فرنسا الائتماني إلى A+ من AA-، وفقًا للمعلومات التي أوردها تقرير «إنفستنج».
المخاطر الائتمانية تنتقل إلى الأسواق العالمية
لا تقتصر المخاطر الائتمانية على فرنسا، إذ تواجه أسواق السندات والشركات والائتمان الخاص ضغوطًا متزايدة.
وتتزامن هذه الضغوط مع ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع شهية المستثمرين تجاه بعض الأصول عالية المخاطر عالميًا.
وأشار التقرير إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، بالتزامن مع اتساع فروق العائد بين بعض الدول الأوروبية.
كما شهدت عقود التأمين على ديون شركة أوراكل ارتفاعات لافتة خلال الفترة الماضية، وفق البيانات التي نقلها التقرير.
وتواجه أسواق الائتمان الخاص أيضًا تدقيقًا متزايدًا، مع ارتفاع انكشاف البنوك على الشركات العاملة في هذا القطاع.
أما الأسواق الناشئة، فتتأثر بصورة أكبر بتغيرات أسعار الفائدة العالمية وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
وبالتالي، قد يؤدي استمرار ارتفاع العوائد العالمية إلى زيادة تكلفة الاقتراض أمام الحكومات والشركات في الأسواق المختلفة.
كيف تؤثر الأزمة على البنوك واليورو؟
تثير المخاطر الائتمانية في فرنسا مخاوف بشأن إمكانية انتقال الضغوط من الدين الحكومي إلى القطاع المصرفي.
وارتفعت تكلفة التأمين على ديون بعض البنوك الفرنسية، بالتزامن مع زيادة تكلفة التأمين على الديون السيادية.
لكن سندات البنوك الفرنسية من فئة «AT1» تراجعت بدرجة أقل من الدين الحكومي، وفقًا للتقرير.
ويشير ذلك إلى عدم وجود دليل واضح حتى الآن على انتقال المخاوف إلى أزمة مصرفية شاملة داخل فرنسا.
وعلى صعيد العملات، تعرض اليورو لضغوط أمام الدولار، مع متابعة المستثمرين للتطورات السياسية والمالية في فرنسا.
وفي المقابل، لا تشير التصريحات الأوروبية الواردة في التقرير إلى وجود اضطراب يستدعي تدخلًا استثنائيًا من البنك المركزي الأوروبي.
موازنة 2027 تحدد اتجاه المخاطر الائتمانية
تمثل موازنة 2027 عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه المخاطر الائتمانية في فرنسا خلال الفترة المقبلة.
وتراقب الأسواق قدرة الحكومة على تمرير إجراءات خفض الإنفاق، والسيطرة على العجز، وتحسين مسار الدين العام.
كما تتابع الأسواق تحركات التصنيف الائتماني وعوائد السندات الفرنسية، إلى جانب الفارق بينها وبين السندات الألمانية.
وتؤثر هذه المؤشرات في تقييم المستثمرين لمستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الفرنسي والديون الحكومية.
ومن ناحية أخرى، قد تؤثر بيانات التضخم الأمريكية ونتائج مزادات السندات على اتجاه العوائد العالمية.
وقد يؤدي ارتفاع العوائد العالمية إلى زيادة تكلفة الاقتراض أمام فرنسا، خاصة مع احتياجاتها التمويلية المرتفعة.
هل فرنسا معرضة للإفلاس فعلًا؟
رغم ارتفاع المخاطر، فإن زيادة تكلفة التأمين على الديون لا تعني أن فرنسا ستتخلف عن السداد قريبًا.
وتعكس هذه الزيادة مخاوف المستثمرين بشأن العجز والدين، إضافة إلى حالة عدم اليقين السياسي المرتبطة بالموازنة الجديدة.
وتظل قدرة الحكومة على تمرير الموازنة عاملًا أساسيًا لتحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
كما يمثل خفض العجز والسيطرة على نمو الدين عنصرين مهمين لاستعادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد الفرنسي.
وبناءً على ذلك، فإن عبارة «فرنسا معرضة للإفلاس» تعكس حجم الضغوط الحالية، لكنها لا تعني توقع تعثر مؤكد.
وتبقى التطورات السياسية والمالية هي العامل الأهم في تحديد مستقبل الديون الفرنسية خلال الفترة المقبلة.
أقرأ أيضا بيانات التضخم الأمريكية تدفع الذهب لتسجيل مستوى قياسي جديد عند 4,640 دولارا للأوقية
هل بدأت الأزمة المالية الكبرى؟ بعد ارتفاع الديون العالمية 342 تريليون دولار
ارتفاع عوائد السندات يضغط على الاقتصاد الأمريكي.. القروض والإسكان في مرمى التأثيرات







