يشهد قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر طفرة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بالتوسع الكبير في خدمات التقسيط والشراء الآجل والتطبيقات الرقمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ارتفاع معدلات التعثر وزيادة مديونية الأسر المصرية تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الفائدة.
وأظهرت بيانات حديثة صادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية أن نشاط التمويل الاستهلاكي واصل تحقيق معدلات نمو قياسية خلال عام 2025، وسط تحذيرات من أن التوسع السريع في الإقراض الاستهلاكي قد يتحول إلى مصدر ضغط على الاستقرار المالي إذا لم يتم تشديد الرقابة وإدارة المخاطر الائتمانية.
التمويل الاستهلاكي في مصر يسجل نموًا قياسيًا خلال 2025
كشفت بيانات الرقابة المالية أن قيمة التمويلات الاستهلاكية الممنوحة في السوق المصرية ارتفعت إلى نحو 87.2 مليار جنيه خلال عام 2025، مقارنة بنحو 55.1 مليار جنيه خلال عام 2024، بمعدل نمو تجاوز 58.4%.
كما قفز عدد العملاء المستفيدين من التمويل الاستهلاكي إلى نحو 12 مليون عميل خلال 2025، مقابل 4.1 مليون عميل فقط خلال العام السابق، بزيادة ضخمة بلغت نحو 189.3%، ما يعكس التوسع الكبير في الاعتماد على التقسيط والشراء الآجل داخل السوق المصرية.
وفي أول 7 أشهر فقط من عام 2025، سجلت قيمة التمويلات الاستهلاكية نحو 47.4 مليار جنيه، مع تركّز عمليات التمويل في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والسيارات والأثاث المنزلي والهواتف المحمولة.
نمو قوي خلال النصف الأول من العام
واصل القطاع أداءه القوي خلال النصف الأول من 2025، حيث ضخت شركات التمويل الاستهلاكي نحو 38.1 مليار جنيه، مقارنة بـ24.19 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2024، بنمو بلغ 57.5%.
كما بلغ حجم التمويل الاستهلاكي خلال الربع الأول فقط من العام نحو 17.5 مليار جنيه، في ظل توسع الشركات في تقديم برامج تقسيط مرنة وفترات سداد طويلة لجذب مزيد من العملاء.
شركات التقسيط والتطبيقات الرقمية تقود الطفرة
ساهم الانتشار الواسع لشركات التقسيط ومنصات الشراء الآن والدفع لاحقًا (BNPL) في تسريع نمو القطاع، حيث أصبح الحصول على التمويل يتم خلال دقائق عبر التطبيقات الإلكترونية دون الحاجة إلى إجراءات مصرفية معقدة.
كما ساهمت المنافسة القوية بين الشركات في زيادة العروض التمويلية، مع تقديم فترات سداد تصل إلى 60 شهرًا في بعض الحالات، وهو ما شجع شرائح واسعة من المستهلكين على اللجوء إلى التمويل لشراء احتياجاتهم المختلفة.
ويرى خبراء أن التحول الرقمي ساعد على توسيع قاعدة العملاء بصورة غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه رفع من مخاطر منح التمويلات لعملاء قد لا يمتلكون القدرة الكافية على السداد.
مخاطر التمويل الاستهلاكي.. هل يهدد الاستقرار المالي؟
ارتفاع احتمالات التعثر
يحذر خبراء اقتصاد من أن النمو السريع في التمويل الاستهلاكي قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التعثر خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار أسعار الفائدة المرتفعة وزيادة الأعباء المالية على الأسر.
ويؤكد محللون أن نسبة كبيرة من العملاء أصبحت تعتمد على التمويل لتغطية احتياجات أساسية وليس فقط شراء السلع المعمرة، ما يزيد من احتمالات التعثر حال تعرض الأسر لأي ضغوط اقتصادية إضافية.
تضخم مديونية الأسر المصرية
من أبرز التحديات التي تواجه السوق حاليًا، ارتفاع مديونية الأفراد نتيجة حصول بعض العملاء على أكثر من تمويل من شركات مختلفة في الوقت نفسه.
ويحذر متخصصون من أن بعض الأسر تخصص نسبة كبيرة من دخلها الشهري لسداد الأقساط، وهو ما يضعف قدرتها على مواجهة الأزمات الطارئة أو ارتفاع الأسعار مستقبلاً.
كما أن ارتفاع معدلات التضخم خلال الفترات الماضية دفع العديد من المواطنين للاعتماد بصورة أكبر على الشراء بالتقسيط، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
الرقابة المالية تتحرك لضبط السوق
أكد الدكتور محمد فريد أن نشاط التمويل الاستهلاكي أصبح من أسرع الأنشطة المالية غير المصرفية نموًا داخل السوق المصرية، مشيرًا إلى أن الهيئة تتابع بصورة مستمرة جودة المحافظ التمويلية ومعدلات التعثر لضمان استقرار السوق وحماية حقوق العملاء.
وفي إطار مواجهة النمو السريع للنشاط، قررت الهيئة العامة للرقابة المالية سابقًا وقف قبول طلبات تأسيس شركات تمويل استهلاكي جديدة لمدة عام، بهدف تنظيم السوق ورفع كفاءة الرقابة على الشركات القائمة.
ويرى مراقبون أن القرار يعكس مخاوف رسمية من التوسع الكبير في النشاط دون وجود ضوابط كافية لإدارة المخاطر الائتمانية.
كيف يمكن الحد من مخاطر التمويل الاستهلاكي؟
تشديد التقييم الائتماني
يطالب خبراء بضرورة تشديد إجراءات دراسة العملاء قبل منح التمويل، مع التأكد من قدرتهم الحقيقية على السداد وعدم تجاوز الحدود الآمنة للمديونية.
تعزيز الثقافة المالية
يشدد اقتصاديون على أهمية رفع الوعي المالي لدى المواطنين لتجنب الإفراط في الاقتراض أو الحصول على تمويلات تفوق الإمكانيات المالية للأسر.
زيادة الرقابة على الشركات
تواصل الهيئة العامة للرقابة المالية مراقبة معدلات التعثر وجودة المحافظ الائتمانية، إلى جانب تطوير قواعد الحوكمة والإفصاح داخل القطاع لضمان استدامة النمو بصورة آمنة.
ورغم أن التمويل الاستهلاكي أصبح أحد المحركات الرئيسية للإنفاق والاستهلاك في مصر، فإن استمرار النمو المتسارع دون ضوابط صارمة قد يخلق تحديات كبيرة أمام الاستقرار المالي للأسر والشركات على حد سواء، ما يجعل تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي وحماية العملاء أولوية رئيسية خلال المرحلة المقبلة.








