رغم وفرة الخردة المعدنية داخل السوق المصري وتنامي نشاط جمع وإعادة تدوير المخلفات الحديدية، كشفت بيانات رسمية حديثة عن استمرار مصر في استيراد كميات ضخمة من الخردة وفضلات المعادن خلال عام 2025، بقيمة بلغت نحو 935 مليون دولار (ما يعادل 46.3 مليار جنيه). هذا الرقم أثار تساؤلات واسعة حول أسباب الاعتماد على الاستيراد في وقت يُفترض فيه توفر المادة الخام محليًا.
واردات الخردة في مصر.. أرقام تكشف حجم الاعتماد الخارجي
935 مليون دولار خلال 10 أشهر فقط
وفقًا لنشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، استوردت مصر منتجات خردة وفضلات بقيمة 935 مليون دولار خلال أول 10 أشهر من عام 2025.
كما سجلت واردات المنتجات نصف الجاهزة من الحديد نحو 670 مليون دولار إضافية خلال نفس الفترة، ما يعكس اعتمادًا واضحًا على الخارج في دعم قطاع الصناعات المعدنية.
ارتفاع الطلب الصناعي على الحديد
يأتي هذا الارتفاع في الواردات في ظل زيادة الطلب المحلي على الحديد المستخدم في البناء والتشييد والصناعات الثقيلة، ما يفرض ضغوطًا على المصانع لتأمين خامات مستقرة بجودة عالية.
لماذا تستورد مصر الخردة رغم توافرها محليًا؟
أولًا: اختلاف جودة الخردة المحلية
رغم توافر كميات كبيرة من الخردة داخل السوق المصري، إلا أن جزءًا كبيرًا منها لا يطابق المواصفات الصناعية المطلوبة.
الخردة المحلية غالبًا ما تكون:
- مختلطة بمواد غير معدنية
- غير مصنفة بشكل دقيق
- متفاوتة في الجودة والنقاء
بينما تفضل المصانع الكبرى الخردة المستوردة ذات المواصفات الثابتة لضمان جودة الإنتاج.
ثانيًا: محدودية كفاءة منظومة الجمع والتدوير
تعتمد مصر بشكل كبير على القطاع غير الرسمي في جمع الخردة، وهو ما يؤدي إلى:
- فقد جزء كبير من الموارد القابلة لإعادة التدوير
- ضعف عمليات الفرز والمعالجة
- صعوبة توفير كميات منتظمة للمصانع
هذا النقص في التنظيم يجعل الاستيراد خيارًا أكثر استقرارًا للصناعة.
ثالثًا: الطلب الصناعي يتجاوز العرض المحلي
قطاع الحديد والصلب في مصر يشهد توسعًا مستمرًا، خاصة مع مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة، ما يرفع الطلب على:
- الخردة كمادة أولية
- المنتجات نصف الجاهزة من الحديد
وهنا تظهر فجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياج الفعلي للصناعة.
رابعًا: الاستيراد يضمن استقرار الأسعار
في كثير من الأحيان، يلجأ المصنعون إلى الاستيراد لتقليل تأثير تقلبات الأسعار المحلية، حيث توفر الأسواق العالمية:
- عقود توريد طويلة الأجل
- جودة ثابتة
- أسعار أكثر استقرارًا مقارنة بالسوق المحلي غير المنظم
خامسًا: استيراد منتجات نصف جاهزة يعزز الإنتاج
لا يقتصر الأمر على الخردة فقط، بل تمتد الواردات إلى المنتجات نصف الجاهزة من الحديد بقيمة 670 مليون دولار، ما يعكس اعتماد الصناعة على مدخلات جاهزة تساعد في تسريع عمليات الإنتاج وتقليل التكلفة التشغيلية.
تأثيرات اقتصادية على الصناعة المحلية
ضغط على سوق الخردة المحلي
استمرار الاستيراد قد يؤدي إلى تقليل الطلب على الخردة المحلية غير المنظمة، مما يضغط على العاملين في هذا القطاع.
فرصة لإعادة هيكلة القطاع
في المقابل، يفتح هذا الوضع الباب أمام:
- تطوير منظومة جمع الخردة
- دعم الصناعات التحويلية
- تحسين جودة إعادة التدوير داخل مصر
تكشف بيانات واردات الخردة في مصر أن القضية لا تتعلق بالندرة، بل بـ”جودة المعروض وتنظيم السوق”. فبين وفرة محلية غير منظمة، وطلب صناعي مرتفع يتطلب خامات دقيقة، يظل الاستيراد حلًا استراتيجيًا لضمان استقرار صناعة الحديد في مصر.






