دخلت أسواق المعادن الثمينة مرحلة جديدة يصفها محللون بـ«الدورة الفائقة»، مع تسجيل الذهب والفضة والبلاتين قممًا سعرية متتالية، مدفوعة بتغيرات هيكلية في الاقتصاد العالمي، وليس فقط بعوامل مضاربية قصيرة الأجل.
وفي هذا السياق، أعاد المستثمر والكاتب الأميركي الشهير روبرت كيوساكي الجدل إلى الواجهة، بعدما توقع أن تشهد الفضة قفزة غير مسبوقة قد تدفع أسعارها إلى 200 دولار للأونصة خلال عام 2026، مستندًا إلى ما يراه تحولات عميقة تعيد تعريف الفضة من مجرد معدن ثمين إلى معدن بنية اقتصادية لعصر الطاقة المتجددة والرقمنة.
أداء سعري استثنائي
سجلت الفضة منذ بداية عام 2026 أداءً صعوديًا لافتًا، إذ ارتفع سعر الأونصة من 72.36 دولارًا مطلع يناير إلى 94.43 دولارًا في 20 يناير، محققة مكاسب تتجاوز 30% في أقل من شهر.
وجاء هذا الصعود امتدادًا لقفزة تاريخية خلال عام 2025، حيث ارتفعت الفضة بنحو 147% على أساس سنوي، بدعم من اتساع فجوة العجز في المعروض العالمي وتسارع الطلب الصناعي، خاصة في الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، والشرائح الإلكترونية.
لماذا تتحرك الفضة أسرع من الذهب؟
رغم صعود الذهب كملاذ آمن، يرى محللو الأسواق أن الفضة تمتلك عزم تسارع أعلى، نظرًا لصغر حجم سوقها مقارنة بالذهب، ما يجعل أي زيادة في الطلب الاستثماري أو الصناعي قادرة على دفع الأسعار بوتيرة أسرع وأكثر حدة.
كما تستفيد الفضة من كونها تجمع بين وظيفتين نادرتين: مخزن للقيمة وأداة صناعية لا غنى عنها في الاقتصاد التكنولوجي الحديث.
الدولار تحت الضغط
أسهمت التوترات الجيوسياسية، وتوقعات خفض الفائدة الأميركية، واتساع العجز المالي في الولايات المتحدة، في تآكل الثقة بالدولار، ما دفع المستثمرين نحو الأصول الملموسة. ويشير خبراء إلى أن الفضة تستفيد بشكل خاص من موجة التخارج من النقد الورقي، باعتبارها تحوطًا مزدوجًا ضد التضخم وضعف العملات.
تحول استراتيجي عالمي
شهدت نهاية عام 2025 تحولًا مفصليًا في النظرة العالمية للفضة، بعدما أدرجتها الولايات المتحدة لأول مرة ضمن قائمة المعادن الحرجة، في اعتراف رسمي بأهميتها لسلاسل الإمداد الصناعية والتكنولوجية.
في المقابل، شددت الصين – أكبر مصدر للفضة عالميًا – القيود على صادراتها اعتبارًا من 2026، وأخضعتها لإطار تنظيمي مشابه للمعادن النادرة، ما زاد المخاوف بشأن شح المعروض العالمي ودعم الاتجاه الصعودي للأسعار.
هل 200 دولار رقم واقعي؟
يرتكز تفاؤل كيوساكي على ثلاثة عوامل رئيسية:
عجز هيكلي في المعروض، حيث يُستخرج نحو 75% من الفضة كمنتج ثانوي مع معادن أخرى، ما يحد من سرعة زيادة الإنتاج.
انفجار الطلب الصناعي المرتبط بالتحول للطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة.
اعتراف حكومي عالمي بالقيمة الاستراتيجية للفضة وفرض قيود على سلاسل التوريد.
ورغم أن سيناريو 200 دولار للأونصة يبدو شديد التفاؤل وربما يتطلب صدمات إضافية في الأسواق، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن الفضة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة، تتقاطع فيها الندرة مع الطلب المتسارع والبحث العالمي عن بدائل أكثر صلابة من العملات الورقية.






