يتعرض الاقتصاد العالمي لمرحلة من الحذر الشديد مع تصاعد المواجهة العسكرية بين امريكا وايران في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من تداعيات قد تصل إلى معدلات النمو والتجارة العالمية ومستويات التضخم.
النفط والطاقة
تُعد منطقة الخليج العربي شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة عالميًا، ويُنظر إلى أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز باعتباره عاملًا مباشرًا لارتفاع أسعار النفط. وتشير تقديرات الأسواق إلى إمكانية تجاوز الأسعار مستوى 100 دولار للبرميل إذا اتسع نطاق التوتر، مع صعود تكاليف الشحن والتأمين البحري.
ويمتد التأثير على الغاز الطبيعي ، ومختلف المنتجات البترولية، ما يرفع تكلفة الإنتاج عالميًا ويزيد الضغوط التضخمية، ويؤثر سلبًا على القدرة الشرائية للأسر، خاصة في الدول المستوردة للطاقة. ومع تراجع القوة الشرائية، يتباطأ الاستهلاك الذي يمثل أحد المحركات الأساسية للنمو في الاقتصادات الكبرى.
التضخم و قرارات البنوك المركزية
قبل موجة التصعيد، كانت عدة بنوك مركزية تميل إلى بدء خفض تدريجي لأسعار الفائدة لدعم النشاط الاقتصادي. إلا أن أي قفزة في أسعار الطاقة قد تدفع هذه المؤسسات إلى تأجيل خطط التيسيرات
وتحذر تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أن الارتفاعات الكبيرة والممتدة في أسعار الطاقة قد تقلص معدل النمو العالمي بما يتراوح بين 0.2% و0.5% مقارنة بالتوقعات الأساسية، خاصة إذا طال أمد النزاع.
اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة
التوترات العسكرية غالبًا ما تنعكس سريعًا على حركة السفن التجارية وكلفة الشحن وسلاسل الإمداد الصناعية. وتعتمد اقتصادات صناعية في أوروبا وآسيا بدرجة كبيرة على واردات الطاقة والمواد الخام من المنطقة، ما يجعلها أكثر عرضة لارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
هذه الضغوط قد تدفع أسعار السلع الوسيطة للصعود، ما يؤثر على قطاعات حيوية مثل الصناعات الثقيلة والسيارات والتكنولوجيا وحتى الغذاء. كما يُتوقع أن تتراجع وتيرة التجارة العالمية مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسعار العملات، إلى جانب عزوف نسبي من المستثمرين عن الأسواق عالية المخاطر.
الأسواق المالية
في حال زيادة المواجهة، تميل مؤشرات الأسهم العالمية إلى التراجع، مقابل صعود الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، إضافة إلى ارتفاع الدولار الأمريكي نتيجة تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الأكثر استقرارًا.
التقلبات الحادة قد تؤدي إلى تآكل جزء من ثروات المستثمرين، وتراجع شهية المخاطرة، ما ينعكس سلبًا على خطط التوسع والاستثمار لدى الشركات، ويزيد من تحفظ المؤسسات المالية.
انعكاسات متفاوتة على الاقتصادات الكبرى
الاقتصادات المتقدمة قد تواجه ضغوطًا مزدوجة تتمثل في ارتفاع الإنفاق العسكري وزيادة عجز الموازنات، إلى جانب ضغوط تضخمية إضافية إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة.
أما الدول الأكثر اعتمادًا على واردات الطاقة، فتبدو أكثر حساسية للتطورات، إذ قد يتراجع نشاطها الصناعي، مع احتمالات دخول بعضها في ركود فني إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
في المقابل، قد تستفيد بعض الدول الأعضاء في منظمة أوبك على المدى القصير من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات النفطية، غير أن استمرار الحرب قد يضعف الطلب العالمي على الطاقة نتيجة تباطؤ النمو، ما يعيد التوازن للأسعار ويحد من المكاسب.
سيناريوهات متوقعة
إذا ظل التصعيد محدودًا وقصير الأجل، فمن المرجح أن يقتصر الأثر على تباطؤ طفيف في النمو وارتفاع مؤقت في معدلات التضخم.
أما في حال اتساع النزاع إقليميًا أو استمراره لفترة ممتدة، فقد تشهد توقعات النمو العالمي خلال عامي 2026 و2027 خفضًا ملحوظًا، مع احتمالات دخول بعض الاقتصادات المتقدمة في ركود، وارتفاع مخاطر الديون في الدول النامية.
في المحصلة، يبقى مسار الاقتصاد العالمي رهينًا بتطورات المشهد الجيوسياسي، ومدى قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات دون الانزلاق إلى دورة جديدة من التضخم المرتفع والتباطؤ الحاد.







Comments 2