شهدت أسعار الفضة خلال النصف الأول من عام 2026 واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في تاريخ المعدن الأبيض،
بعدما انتقلت من تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة إلى هبوط حاد خلال أشهر قليلة، قبل أن تبدأ في استعادة جزء من خسائرها.
وبين هذه التحركات السريعة، يترقب المستثمرون والمحللون مستقبل الفضة خلال النصف الثاني من العام الجاري،
في ظل استمرار التحديات الاقتصادية العالمية وتغير سياسات البنوك المركزية.
وتحظى الفضة بمكانة خاصة بين المعادن، إذ تجمع بين كونها ملاذًا استثماريًا مثل الذهب، وفي الوقت نفسه تدخل في العديد من الصناعات الحيوية،
مثل الإلكترونيات، والألواح الشمسية، وصناعة السيارات الكهربائية،
وهو ما يجعل أسعارها أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية مقارنة بالذهب.

تقلبات قوية في أسعار الفضة خلال 2026
بدأت الفضة عام 2026 عند مستويات تاريخية تجاوزت 121 دولارًا للأونصة، مدفوعة بنقص المعروض العالمي، وارتفاع الطلب الاستثماري، إلى جانب موجة شراء واسعة من المستثمرين.
لكن هذا الصعود لم يستمر طويلًا، إذ تعرض المعدن لعمليات بيع قوية دفعت الأسعار إلى الهبوط حتى اقتربت من 55 دولارًا للأونصة،
وهو أدنى مستوى خلال سبعة أشهر، قبل أن ترتد مجددًا لتتداول أعلى 60 دولارًا للأونصة.
ويرى محللون أن هذا التراجع الحاد أخرج جانبًا كبيرًا من المضاربات قصيرة الأجل، وأعاد السوق إلى مستويات أكثر توازنًا، مع استمرار حالة الحذر بين المستثمرين.
أزمة المعروض تدعم الأسعار
ورغم التقلبات، لا تزال العوامل الأساسية تميل إلى دعم الفضة على المدى المتوسط، إذ يواصل السوق تسجيل عجز في المعروض للعام السادس على التوالي.
وتشير التقديرات إلى أن حجم العجز العالمي قد يصل إلى 46.3 مليون أونصة خلال 2026، مقارنة بنحو 40.3 مليون أونصة في العام السابق،
وهو ما يعكس استمرار تفوق الطلب على حجم الإنتاج.
وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن معظم إنتاج الفضة لا يأتي من مناجم مستقلة،
بل يُستخرج كناتج ثانوي أثناء تعدين النحاس والزنك والرصاص، لذلك لا تستطيع شركات التعدين زيادة الإنتاج بسرعة حتى مع ارتفاع الأسعار.
الطلب الاستثماري يواصل الصعود
في المقابل، تشير التوقعات إلى استمرار نمو الطلب الاستثماري على الفضة خلال العام الجاري، مع زيادة الإقبال على شراء السبائك والعملات الفضية.
وتتوقع المؤسسات المتخصصة ارتفاع الطلب الاستثماري بنحو 18% خلال 2026، مدعومًا بعودة المستثمرين الأفراد،
خاصة في الولايات المتحدة، إلى شراء المعدن باعتباره وسيلة للتحوط من التقلبات الاقتصادية.
ويمنح هذا الاتجاه الفضة دعمًا إضافيًا، خاصة إذا اتجهت البنوك المركزية إلى تخفيف السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
الطلب الصناعي يواجه ضغوطًا
في المقابل، يواجه الطلب الصناعي تحديات واضحة، رغم أنه يمثل نحو 58% من إجمالي استهلاك الفضة عالميًا.
وتشير التقديرات إلى تراجع الطلب الصناعي بنحو 3% خلال 2026، نتيجة اتجاه الشركات المصنعة،
خصوصًا في قطاع الألواح الشمسية، إلى تقليل استخدام الفضة واستبدالها بمواد أقل تكلفة.
ورغم استمرار النمو في قطاعات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الكهرباء، والسيارات الكهربائية، فإن هذه القطاعات لم تتمكن حتى الآن من تعويض التراجع في استهلاك صناعة الطاقة الشمسية.

أسعار الفائدة والدولار.. مفتاح حركة الفضة
تبقى السياسة النقدية الأمريكية العامل الأكثر تأثيرًا في تحركات الفضة خلال الفترة المقبلة.
فإذا اتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى خفض أسعار الفائدة،
فمن المتوقع أن يزداد الإقبال على المعادن النفيسة، لأن انخفاض العائد على أدوات الدخل الثابت يجعل الاحتفاظ بالفضة أكثر جاذبية.
كما أن تراجع الدولار الأمريكي يمنح المشترين خارج الولايات المتحدة قدرة أكبر على شراء المعدن، وهو ما يدعم الأسعار عالميًا.
أما إذا استمرت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، مع بقاء الدولار قويًا، فقد تواجه الفضة ضغوطًا إضافية تحد من قدرتها على تحقيق مكاسب كبيرة.
ثلاثة سيناريوهات لأسعار الفضة في النصف الثاني من 2026
يرى خبراء الأسواق أن حركة الفضة خلال الأشهر المقبلة ستتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الإيجابي يتمثل في خفض أسعار الفائدة وضعف الدولار، مع استمرار العجز في المعروض،
وهو ما قد يدفع الفضة للعودة إلى مستويات مرتفعة داخل نطاق تداولات 2026.
أما السيناريو الأساسي فيفترض تثبيت أسعار الفائدة واستقرار الدولار، مع استمرار الطلب الاستثماري والطلب الصناعي عند مستويات متوازنة،
وهو ما قد يؤدي إلى تحرك الأسعار داخل نطاق عرضي مع استمرار التقلبات.
بينما يقوم السيناريو السلبي على استمرار قوة الدولار وتشديد السياسة النقدية، إلى جانب تراجع الطلب الصناعي والاستثماري،
وفي هذه الحالة قد تعود الفضة لاختبار مستويات 50 دولارًا للأونصة أو أقل.

ماذا ينتظر المستثمرون؟
رغم التقلبات الحادة التي شهدتها الفضة خلال النصف الأول من عام 2026،
فإن استمرار العجز في المعروض العالمي يمنح المعدن الأبيض عوامل دعم قوية على المدى المتوسط والطويل.
ومع ذلك، ستظل قرارات الاحتياطي الفيدرالي، وحركة الدولار، وأداء القطاعات الصناعية الكبرى، عوامل حاسمة في تحديد اتجاه الأسعار خلال النصف الثاني من العام،
ما يجعل الفضة واحدة من أكثر الأصول التي تستحق المتابعة في الأسواق العالمية.








