مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائد.. مثلٌ شعبي قديم يتجدد حضوره اليوم بقوة في مشهد الاقتصاد العالمي، ليجد صداه الواضح في سوق السيارات الكهربائية، حيث أسهمت التوترات والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في إعادة رسم خريطة الصناعة لصالح الصين، التي استطاعت استثمار تداعيات الأزمة وتحويلها إلى فرصة لتعزيز نفوذها في الأسواق العالمية.
مصائب قوم عند قوم فوائد.. أمريكا تحارب والصين تكسب
وخلال الفترة الأخيرة، استفادت شركات السيارات الصينية من الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود، ما أدى إلى تسارع الإقبال العالمي على السيارات الكهربائية، خاصة في الدول النامية التي تبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استدامة، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية لمحطات الشحن غير مكتملة في العديد من الأسواق.
هذا التحول منح الصين فرصة ذهبية لتوسيع صادراتها من السيارات الكهربائية والهجينة، لتصبح اللاعب الأبرز في هذا القطاع عالميًا، مستفيدة من قدرتها الإنتاجية الكبيرة وأسعارها التنافسية، إلى جانب توسعها السريع في أسواق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
من الإنتاج المحلي إلى التصدير العالمي.. كيف أصبحت مصر وجهة كبرى لصناعة السيارات؟
حيث شهد سوق السيارات الكهربائية العالمي تحولات غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، مدفوعًا بتغيرات جيوسياسية حادة، أبرزها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود عالميًا.
هذه التطورات ساهمت في إعادة رسم خريطة الطلب على السيارات الكهربائية، ومنحت الشركات الصينية فرصة قوية لتعزيز هيمنتها على الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ارتفاع قياسي في صادرات السيارات الكهربائية الصينية
قفزة في أرقام التصدير خلال 2025
كما سجلت صادرات الصين من السيارات الكهربائية والهجينة نموًا قياسيًا خلال الأشهر الماضية، حيث بلغت قيمتها نحو 9.4 مليار دولار في أبريل فقط،
وفقًا لتحليل بيانات الجمارك الصينية الصادر عن مركز الأبحاث “إمبر”.
كما ارتفعت صادرات سيارات الركوب الكهربائية والهجينة خلال مايو إلى نحو 435 ألف سيارة،
أي أكثر من ضعف حجم الصادرات في نفس الشهر من العام السابق، بحسب الرابطة الصينية لشركات تصنيع السيارات.
توسع في الأسواق النامية
أما هذا النمو فقد امتد إلى أسواق متعددة، من بينها أستراليا والبرازيل وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا،
حيث يشهد الطلب ارتفاعًا متسارعًا مدفوعًا بارتفاع تكلفة الوقود التقليدي.

السيارات الكهربائية تكتسب زخمًا عالميًا
تحول عالمي نحو الطاقة النظيفة
مع ارتفاع أسعار الوقود، اتجه المستهلكون والحكومات إلى السيارات الكهربائية كبديل اقتصادي،
حتى في ظل محدودية البنية التحتية لمحطات الشحن في العديد من الدول.
السيارات المصرية تغزو الأسواق العالمية.. صادرات تتجاوز 50 مليون دولار والإمارات وألمانيا بالصدارة
بينما تلعب الحكومات في دول مثل لاوس وإثيوبيا دورًا متزايدًا في دعم هذا التحول،
سواء عبر تسهيلات الاستيراد أو الاستثمار في البنية التحتية الكهربائية، بهدف تقليل فاتورة استيراد النفط وتقليص الدعم الحكومي للوقود.

آسيا وأفريقيا تقودان موجة التغيير
كما شهدت دول مثل تايلاند ولاوس والفلبين ارتفاعًا كبيرًا في واردات السيارات الكهربائية الصينية،
مدفوعة بسياسات حكومية داعمة للتحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي خطوة لافتة، فرضت لاوس حظرًا على استيراد السيارات التي تعمل بالوقود حتى نهاية عام 2026،
في إطار خطة وطنية لتقليل الاعتماد على النفط.
توسع متسارع في أفريقيا
استوردت القارة الأفريقية نحو 44 ألف سيارة كهربائية صينية خلال عام 2025، بنسبة نمو وصلت إلى 130% سنويًا،
وفق بيانات وزارة التجارة الصينية، ما يعكس تسارع الطلب في الأسواق الناشئة.

توسع غير متوازن لمحطات الشحن
رغم النمو السريع في مبيعات السيارات الكهربائية، إلا أن البنية التحتية لمحطات الشحن لا تزال غير قادرة على مواكبة هذا التوسع.
في تايلاند، على سبيل المثال، توجد محطة شحن واحدة لكل 92 سيارة تقريبًا، مع وجود حوالي 12 ألف وحدة شحن عامة، وفق وكالة الطاقة الدولية.
وفي بانكوك، بدأت صعوبات الشحن تدفع بعض السائقين إلى إعادة التفكير في العودة إلى السيارات التقليدية العاملة بالوقود.

نماذج متباينة في الدول النامية
في ماليزيا، ارتفع عدد أجهزة الشحن السريع بأكثر من 70% خلال عام 2025، مدعومًا بحوافز حكومية وإعفاءات ضريبية.
أما في إندونيسيا، فقد تم إنشاء أكثر من 4500 محطة شحن من خلال شركة الكهرباء الحكومية، في محاولة لمواكبة الطلب المتزايد.
إثيوبيا نموذج متطرف للتحول الكهربائي
تعد إثيوبيا من أكثر الدول جرأة في تبني التحول الكهربائي، حيث حظرت استيراد السيارات غير الكهربائية،
لكنها في المقابل لا تزال تعاني نقصًا حادًا في البنية التحتية، إذ لا يتجاوز عدد محطات الشحن 12 محطة فقط حتى منتصف 2025.
وتشير التقديرات الحكومية إلى الحاجة إلى أكثر من 1170 محطة شحن لتلبية الطلب المستقبلي،
في وقت تعمل فيه أديس أبابا على إنشاء 40 محطة جديدة.
السيارات الكهربائية عالميًا بالأرقام
وفقًا للوكالة الدولية للطاقة:
- سيارة واحدة من كل 4 سيارات جديدة عالميًا أصبحت كهربائية.
- من المتوقع أن تصل مبيعات السيارات الكهربائية إلى 23 مليون سيارة سنويًا.
- تستحوذ الشركات الصينية على نحو 60% من سوق السيارات الكهربائية العالمي.
تعكس التحولات الحالية في سوق السيارات الكهربائية العالمي إعادة توزيع واضحة لقوى الصناعة، حيث تقود الصين النمو بقوة،
بينما تسعى الدول النامية إلى تسريع التحول رغم تحديات البنية التحتية.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الوقود، يبدو أن مستقبل النقل العالمي يتجه بسرعة نحو الكهرباء، ولكن بوتيرة غير متوازنة بين الإنتاج والاستخدام.








