كشفت بيانات حديثة صادرة عن البنك المركزي المصري عن تحولات لافتة في هيكل الائتمان داخل القطاع المصرفي، حيث تراجعت حصة القطاع الخاص من إجمالي القروض الممنوحة للعملاء إلى 41.9% بنهاية ديسمبر 2025، مسجلة أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقدين، في وقت تواصل فيه البنوك التوسع في تمويل الحكومة والمشروعات القومية.
تراجع تاريخي في تمويل القطاع الخاص
أظهرت النشرة الإحصائية أن نصيب القطاع الخاص من القروض شهد انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بالمستويات التاريخية، إذ كان قد بلغ ذروته في عام 2007 عند نحو 84.6%، قبل أن يدخل في مسار هبوطي مستمر.
ويعكس هذا التراجع تغيرًا واضحًا في أولويات الإقراض لدى البنوك، حيث اتجهت نسبة أكبر من السيولة نحو تمويل عجز الموازنة العامة عبر أدوات الدين الحكومي، مثل أذون وسندات الخزانة، إلى جانب التوسع في التمويل الاستهلاكي.
أسباب تراجع القروض الموجهة للقطاع الخاص
ارتفاع أسعار الفائدة
يُعد ارتفاع أسعار الفائدة من أبرز العوامل التي أثرت على قدرة الشركات الخاصة على الاقتراض، حيث أدى إلى زيادة تكلفة التمويل، ما دفع العديد من الكيانات إلى تقليص خطط التوسع والاستثمار.
تداعيات الأوضاع الإقليمية
ساهمت التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية في زيادة حالة عدم اليقين داخل الأسواق، وهو ما انعكس سلبًا على شهية القطاع الخاص للاقتراض والتوسع.
توجه البنوك نحو التمويل السيادي
يرى محللون أن البنوك فضّلت توجيه جزء كبير من مواردها نحو أدوات الدين الحكومي ذات العائد المرتفع والمخاطر الأقل، مقارنة بتمويل الشركات، وهو ما أدى إلى تراجع التمويل الرأسمالي للقطاع الخاص.
نمو كبير في أصول الجهاز المصرفي
رغم تراجع حصة القطاع الخاص من القروض، شهدت أصول البنوك المصرية نموًا قويًا خلال عام 2025، حيث سجلت نحو 24.122 تريليون جنيه، مقارنة بـ 20.8 تريليون جنيه في 2024.
ويعكس هذا النمو توسعًا ملحوظًا في النشاط المصرفي، مدفوعًا بزيادة حجم الودائع والتوسع في الإقراض، خاصة في مجالات التمويل الحكومي والتجزئة المصرفية.
ارتفاع ملحوظ في حجم الإقراض
سجلت أرصدة الإقراض والخصم للعملاء نحو 10.377 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، في مؤشر على استمرار النشاط الائتماني للبنوك، رغم التغير في توزيع هذا الائتمان بين القطاعات المختلفة.
ويُلاحظ أن جزءًا كبيرًا من هذا النمو جاء مدفوعًا بزيادة التمويل الموجه للأفراد، مثل القروض الشخصية وقروض الاستهلاك، إلى جانب التمويل الحكومي.
زيادة رؤوس أموال البنوك
شهدت رؤوس أموال البنوك العاملة في السوق المصري ارتفاعًا ملحوظًا، لتصل إلى 716.7 مليار جنيه بنهاية 2025، مقارنة بـ 575.2 مليار جنيه في العام السابق.
ويعكس هذا النمو قوة المراكز المالية للبنوك وقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية، بالإضافة إلى التزامها بمعايير كفاية رأس المال التي يفرضها البنك المركزي.
تطورات المركز المالي الدولي للبنوك
على صعيد المركز المالي الخارجي، ارتفعت أرصدة البنوك المصرية لدى البنوك في الخارج إلى 1.906 تريليون جنيه، ما يشير إلى تحسن في العلاقات المالية الدولية وزيادة الأصول الخارجية.
في المقابل، تراجعت الأرصدة لدى البنوك داخل مصر إلى 2.713 تريليون جنيه، وهو ما قد يعكس إعادة توزيع للسيولة داخل النظام المصرفي.
دلالات التحولات في هيكل الائتمان
تعكس هذه المؤشرات تحولات هيكلية مهمة في الاقتصاد المصري، حيث يتجه النظام المصرفي بشكل أكبر نحو تمويل الحكومة والأنشطة الأقل مخاطرة، مقابل تراجع نسبي في تمويل القطاع الخاص المنتج.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤثر على معدلات النمو الاقتصادي على المدى الطويل، في حال لم يتم تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة قدرته على الوصول إلى التمويل.
هل يستعيد القطاع الخاص دوره؟
يتوقف مستقبل التمويل الموجه للقطاع الخاص على عدة عوامل، أبرزها استقرار أسعار الفائدة، وتحسن بيئة الاستثمار، إلى جانب إطلاق مبادرات تحفيزية تستهدف دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
كما أن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص قد يسهم في إعادة التوازن إلى هيكل الائتمان، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي مستدام.






