قال متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن إعلان الحكومة التوجه للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بحلول العام المالي 2026/2027، يمثل خطوة مهمة نحو إعادة هيكلة منظومة الدعم والتموين بشكل أكثر كفاءة وعدالة، بما يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر استحقاقًا، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي وضبط المالية العامة للدولة.
وأوضح بشاي أن منظومة الدعم العيني الحالية، رغم دورها التاريخي في دعم المواطنين، تستنزف جزءًا كبيرًا من الموازنة العامة، إلى جانب تسرب بعض المنافع لغير المستحقين، مشيرًا إلى أن التحول إلى الدعم النقدي سيضمن وصول الدعم بصورة مباشرة وأكثر دقة، بما يحقق الاستفادة القصوى من الموارد المالية المخصصة للدعم.
التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي يمنح الأسر مرونة أكبر في إدارة الإنفاق
وأكد أن رؤية الحكومة في هذا الملف تستهدف ضمان وصول “كل جنيه” إلى المواطنين الأكثر احتياجًا، من خلال آليات حديثة تعتمد على التحويلات النقدية المباشرة عبر الحسابات البنكية أو بطاقات “ميزة”، وهو ما يمنح الأسر مرونة أكبر في إدارة إنفاقها واختيار احتياجاتها وفقًا لأولوياتها.
وأشار بشاي إلى أن التحول من الدعم السلعي إلى النقدي لا يقتصر فقط على تخفيف الأعباء المالية عن الدولة، بل يسهم كذلك في تقليص حلقات الوساطة وتقليل فرص الفساد أو الهدر المرتبط بمنظومة توزيع السلع التموينية والخبز.
تحرير أسعار السلع التموينية تدريجيًا ضرورة لتحسين كفاءة الدعم
وأضاف أن الاتجاه نحو تحرير أسعار السلع التموينية بشكل تدريجي، مع استمرار تقديم دعم نقدي للفئات الأكثر احتياجًا، يعد خطوة ضرورية لتحقيق كفاءة أكبر في السوق، موضحًا أن هذا التوجه لا يعني رفع الأسعار بصورة عشوائية، وإنما يهدف إلى منح المواطن دعمًا ماليًا مباشرًا يمكنه من شراء احتياجاته وفق آليات السوق وأسعارها الفعلية.
لقد شهدت منظومة الدعم في مصر تحولات جوهرية على مدار العقد الأخير، حيث انتقلت الدولة من سياسة الدعم العيني الشامل الذي يستفيد منه الجميع، إلى استراتيجية الاستهداف التي تحاول إيصال الدعم لمستحقيه الفعليين.
يظل رغيف الخبز والسلع التموينية هما العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية. ورغم الضغوط التي تفرضها أسعار القمح العالمية وتكاليف الشحن، تحرص الدولة على استمرار هذا الدعم لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي لنحو 70 مليون مواطن، مع محاولات مستمرة لرفع كفاءة المنظومة ومنع التسرب والفاقد.
وتمثل برامج الدعم النقدي المشروط، مثل “تكافل وكرامة”، الوجه الحديث للحماية الاجتماعية. هذه البرامج لا تكتفي بتقديم المساعدة المالية، بل تربطها بمستهدفات تنموية مثل انتظام الأطفال في التعليم والرعاية الصحية، مما يحول الدعم من مجرد “إعانة” إلى أداة للاستثمار في البشر.
التحول نحو الدعم النقدي الكامل
على الجانب الآخر من المشهد، تفرض فاتورة الدعم ضغوطاً هائلة على الموازنة العامة للدولة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التضخم المستورد وتذبذب أسعار الصرف.
يرى خبراء الاقتصاد في “بانكرز توداي” أن استمرار الدعم بصورته التقليدية يساهم في زيادة عجز الموازنة، مما يضطر الدولة للاقتراض لتمويل هذه الفجوة. هذا الاقتراض يرفع من تكلفة خدمة الدين، ويقلل من الاستثمارات الموجهة لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، وهو ما يطرح تساؤلاً حول “الفرصة البديلة” لهذه الأموال.
يدور نقاش اقتصادي واسع حالياً حول جدوى التحول الشامل من الدعم العيني (السلع) إلى الدعم النقدي. المؤيدون يرون أن الدعم النقدي يمنح المواطن حرية الاختيار ويقضي على فساد منظومات التوزيع، بينما يخشى المعارضون من تآكل قيمة الدعم النقدي أمام موجات التضخم المتلاحقة.
لا يمكن قياس الدعم بلغة الأرقام فقط؛ فالحفاظ على استقرار الطبقات الكادحة والمتوسطة هو ضمانة أساسية للاستقرار السياسي والاجتماعي. إن أي تقليص مفاجئ أو غير مدروس لمنظومة الحماية قد يؤدي إلى انكماش في الطلب المحلي وتفاقم معدلات الفقر، وهو ما تدركه الدولة جيداً من خلال توسيع شبكات الأمان الاجتماعي بالتزامن مع إجراءات الإصلاح الهيكلي.
التحدي الحقيقي في 2026 ليس في “إلغاء الدعم”، بل في “كفاءة الإنفاق”. فتنقية البطاقات التموينية من غير المستحقين، والاعتماد على قواعد البيانات الرقمية الموحدة، يضمن أن كل جنيه يخرج من الموازنة يذهب فعلياً لمن يستحقه، مما يحول الدعم من “عبء” إلى “استثمار اجتماعي” حقيقي.








