كتب فتحي السايح
..
رحلة تحول الهيكل التمويني لمصر بين الرهان على النمو ومخاطر خدمة الدين، وخارطة طريق لكسر دائرة الاقتراض بحلول 2026
كشف الدكتور عصام درويش – دكتوراة في الاقتصاد، عضو سابق بالمجالس القومية المتخصصة، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة المالك للتنمية الإنسانية – لم يعد الدين العام في مصر مجرد بند فني في الموازنة، بل أصبح مرآة تعكس تحولات الاقتصاد الوطني على مدى ثلاثة أرباع القرن. من ضخ السيولة المحلية لتمويل السد العالي وقطاعات الصناعة الثقيلة في الخمسينيات، إلى الاعتماد المتسارع على القروض الخارجية، وصولاً إلى مفترق الطرق الذي تقف عليه البلاد عام 2026؛
ورصد الخبير الاقتصادي عضو سابق بالمجالس القومية المتخصصة في تصريحات صحفية هذا المسار التاريخي كيف تحولت أداة تمويل التنمية إلى تحدي هيكلي يثقل كاهل الموازنة. وأضاف يستند هذا التحليل إلى بيانات رسمية من البنك المركزي المصري ووزارة المالية.
السيناريوهات
ويرى الدكتور عصام درويش، أنه لاستشراف السيناريوهات المتاحة أمام الدولة لكسر حلقة الاقتراض، وضمان استدامة مالية تحفظ حق الأجيال القادمة.
التنمية الموجهة
وأشار إلى مرحلة ما قبل الانفتاح: هيمنة الدين الداخلي (1952-1970s) مع انطلاق مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952، اعتمدت مصر نموذج التنمية الموجه مركزياً، حيث تحول البنك المركزي إلى الممول الأساسي لعجز الموازنة عبر أدوات التمويل المحلي.
وأوضح الدكتور درويش كان الهدف واضحاً وهو تشييد بنية تحتية متينة، وتمويل شركات القطاع العام، وإطلاق مشروعات قومية كبرى. في تلك الحقبة، ظل الدين الخارجي هامشياً.
العمود الفقري للتمويل
وقال بينما شكل الدين الداخلي العمود الفقري للتمويل. ورغم انخفاض النسبة الكلية مقارنة بالفترات اللاحقة، فإن الاعتماد على التمويل المباشر دون آليات سوقية رقابية دقيقة زرع بذور العجز المزمن، مما مهّد الطريق لأعباء هيكلية ستثقل الموازنة في العقود اللاحقة.
الانفتاح الليبرالي وقفزة الدين الخارجي
أسواق الاقتراض الدولية
وأشار د. درويش مع مطلع السبعينيات-2011: ظهر الانفتاح الليبرالي وقفزة الدين الخارجي مع انعطافة السبعينيات وسياسة الانفتاح الاقتصادي، انقلبت المعادلة التموينية جذرياً. انتقلت مصر تدريجياً من الاعتماد على الداخل إلى الانخراط المكثف في أسواق الاقتراض الدولية.
وأفاد الخبير الاقتصادي الدكتور عصام درويش أن الدين الخارجي قفز من نسب متواضعة إلى أكثر من 55.8 مليار دولار عام 2015، ليتضاعف لاحقاً مسجلاً نحو 165.3 مليار دولار بحلول 2023. وعزز هذا التحول اعتماد الاقتصاد على العملات الأجنبية، وعرضه لمخاطر تقلبات أسعار الصرف والفائدة العالمية. ورغم عمليات إعادة الهيكلة، ظلت تكلفة خدمة الدين تستنزف حصة متنامية من الإيرادات العامة، في ظل بقاء الدين الداخلي مرتفعاً، مما خلق معادلة مزدوجة جمعت بين مخاطر الصرف الخارجي وضغوط الفائدة المحلية.
وقال الدكتور عصام جاءت فترة عدم الاستقرار والإصلاح الهيكلي (2011-2023)
حزمة الإصلاحات الهيكلية
وأضاف د. درويش فرضت التحولات السياسية والأمنية بعد 2011 ضغوطاً غير مسبوقة على المالية العامة. تراجعت إيرادات السياحة والاستثمار الأجنبي، مما دفع الدولة إلى الاعتماد المكثف على أدوات الدين الداخلي. ووفقاً لبيانات البنك المركزي ووزارة المالية، قفز الدين العام إلى الذروة التاريخية بنحو 96% من الناتج المحلي في يونيو 2023، قبل أن تنخفض النسبة إلى 82.5% في 2024 بفضل حزمة الإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك تحرير سعر الصرف، وإعادة توجيه الدعم، وإطلاق برنامج الطروحات الحكومية. تحول الدين هنا من مجرد أداة تمويل إلى رافعة لإعادة التوازن الكلي، مدعوماً بتحسين شفافية الإفصاح المالي لاستعادة ثقة الأسواق.
السيناريوهات المستقبلية
خارطة الطريق
وأشار إلى أن الركائز التنفيذية: خارطة الطريق لكسر الحلقة المفرغة
ثلاث ركائز تنفيذية
للخروج من هذا المسار، يركز التحليل على ثلاث ركائز تنفيذية جوهرية تتوافق مع الخريطة البصرية للمشهد المالي:
إدارة الدين بذكاء
واختتم الدكتور عصام تصريحاته بأنه تم إدارة الدين لأول مرة بذكاء عبر إطالة آجال الاستحقاق، وتعميق سوق أدوات الدين المحلية، وتنويع المصادر لتخفيف مخاطر الصرف وتكاليف الخدمة.
تبسيط المنظومة الضريبية
الركيزة الثانية إصلاح المالية العامة: بتبسيط المنظومة الضريبية، وترشيد الدعم غير المستهدف، ورفع كفاءة الإنفاق عبر التحول الرقمي ومكافحة الهدر المؤسسي.
تعزيز الشراكات (PPP)
الركيزة الثالثة تعزيز الشراكات (PPP) ولتمويل البنية التحتية دون إثقال الخزانة، مع ربط التمويل الخارجي بمعايير إنتاجية واضحة وقابلة للمتابعة المستقلة.









